السيد نعمة الله الجزائري
142
الأنوار النعمانية
منها انّه إذا نظر إلى عدله وحكمته وشفقته بخلقه ان اخرجهم من العدم إلى الوجود وفعل بهم ما هو الأصلح لهم في كل افعاله ، ولا شك انّ الموت من جملة ذلك فيكون هو الأصلح بهم ، فان حدثتك نفسك مثل رعاع النّاس إذا مات لهم ميّت قالوا انّ الصلاح في بقائه ، فلو كان قد بقي لربّى أطفاله ولقام بأمور عياله ، وربّما قالوا انّ موت هذا باعث إلى موت ذلك الفقير لأنّه كان يصله ويعطيه ، وهذه الكلمات الواهية هي الشّرك الخفي على ما تقدّم بيانه ، وان تيقّن انّه الصلاح لكن لم تطمئن نفسه ولم تسكن روعته فهو الحمق الجلي النّاشىء عن الغفلة في شأن الحكمة القديمة ، حتى روي انّ العبد ليدعوا اللّه ان يرحمه ويجيب دعاه في أمثال ذلك ، فيقول اللّه تعالى لملائكته كيف ارحمه من شيء به أرحمه . ومنها انّه إذا تدبر في أحوال الرسل وصدقهم فيما قالوا وسمع ما وعدوا به من الثّواب على كل فرد من أنواع المصائب سهل عليه موقعه ، وعلم أن في ذلك تمام السّعادة ، وينبغي ان يمثل العاقل انّه لو دهمه أمر عظيم أو سبع أو حية وكان عنده أعز أولاده وكان بحضرته نبي من الأنبياء وأخبره انّك ان افديت به سلمت أنت وولدك ، وان لم تفعل عطبت ولا يعلم هل يعطب ولدك أم يسلم ، أيشك عاقل انّ الأفتداء بالولد الذي يتحقق به سلامتهما هو عين المصلحة . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم انّه قال لعثمان بن مظعون وقد مات ولده واشتدّ حزنه عليه يا ابن مظعون انّ الجنة ثمانية أبواب ، وللنار سبعة أبواب أفما يسرك ان يتأتي بابا الا وجدت ابنك إلى جنبه آخذ بحجرتك يستشفع لك إلى ربك حتى يشفعه اللّه تعالى . ومنها ان الأغلب انّ الولد انّما يراد امّا لنفع الدنيا أو الآخرة ، ومنفعته على تقدير موته معلومة وعلى تقدير بقائه موهومة ، بل المظنون عدمها لأنّ الزمان قد هرم وشنا كما قيل : أتى الزمتان بنوه في شبيبته * فسرّهم واتيناه على الهرم وأجابه بعض مشايخنا : هم على كل حال أدركوا هرما * ونحن جئناه بعد الشّيب والعدم وتأمل أكثر الخلق هل تجد أحدا منهم نافعا لأبويه الا القليل حتى إذا رأيت واحدا فعدّ ألوفا بخلافه ، فإلحاقك ولدك الواحد بالفرد النادر عين الغفلة ، هذا إذا كنت تريد ان تجعله وليّا صالحا فكيف وأنت لا تريده الا ليرث منك البيت والبستان والصخرة والميزان ، فدعه من هذا الميراث الخسيس واجعله ممّن يرث الفردوس الأعلى في جوار أولاد الأنبياء عليهم السّلام مربّا ان كان صغيرا في حجرة سارة حتى لو كان مرادك ان تورثه علمك وكتبك فاذكر انّ ذلك لو تمّ لك فما وعدت من ثوابه أكثر من هذا .